أحمد بن محمد ابن عربشاه

233

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

الرابع : لا يؤاخذون المقصر في حال الغضب ، بل يرجئون عقوبته إلى أن يطفأ اللهب ؛ فربما يتعدى بواسطة الغضب الحد ؛ فيقع بسبب ذلك بين الأصحاب نكد . ثم إن أبا نوفل قال لأخي نهشل : المبادرة أولى إلى التلافي ؛ لئلا يسابق الجنود إلى تلاقى ، وهذا المصاب إنما جاء بغتة ، وأخذ قلوبنا وأسماعنا بهته ، فاستعمل فكرك القويم وتوجه إلى التدارك بقلب سليم . فقال : ها أنا أذهب على الفور لهذا المطلب النافع وأقوى العزيمة واجتهد في دفع الموانع ، فأول ما ابتدئ بقصد الملك ، وانظر ما يصدر منه قولا وفعلا في هذا الأمر المشتبك ، فأبنى على ذلك ما يناسبه وأجاريه فيما يميل إليه خاطره ولا أجاذبه . ثم توجه إلى الأسد ودخل عليه فوجد الدب جالسا بين يديه ، وقد بلغه قضية النديم ، وأنه حل به العذاب الأليم ، فاغتنم الفرصة ، وبادر ليتم على أبى نوفل الغصة ويتعاطى في أمره قصة وحصة ، فأراد أخو نهشل أن يفتتح الكلام ، ثم أفكر في أنه ربما يعاكسه الدب في المرام ، وإنه إذا قام في المناقضة لا يمكنه مقابلته بالمعارضة ، وإن سكت فالسكوت رضا ، وإن وافق فعلى غير مراده مضى فأمسك عن الكلام ، ورأى السكوت مقتضى المقام . ثم أمعن النظر وأجال قداح الفكر فرأى أنه إن انفصل المجلس من غير أن يفصح بشئ وينبس ، ربما يفوت المقصود أو يسابقه بالمعاكسة عدو أو حسود ؛ لا سيما مثل الوزير الرفيع الخطير صاحب الرأي والتدبير وهو عدوّ قديم ، وفي طرق الخزي نظيره عديم ، فإذا بادر الملك بالكلام ربما يقع منه فلتة بمقام كما قيل : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكنا